في احد زياراتي الى مسقط رأسي عمان، اتفقت ان التقي مع أاصدقاء الدراسة في احد المقاهي في عمان، لايصال ما تقطع من علاقات في غربتي. وصلت بعد عناء طويل من جراء الازدحام الشديد على الطرق، لاكتشف ان موعدنا تزامن مع مباراة قطبي الكرة الإسبانية برشلونة وريال مدريد.
المشهد غريب بكل معنى الكلمة: المقهى ممتلئ بشكل كامل وشاشات عرض كبيرة تملئ المكان. الشباب في تشنج غير عادي مشدودين إلى اقدام اللاعبين يصرخون بحنق تارة ليندبوا حظ رونالدو العاثر، وبفرح تارة اخرى ليتغزلوا ب “معلمية” ميسي وقدرته العالية في خطف الكرات والمراوغة.
كان الجو بشكل عام مشحون لدرجة كبيرة: الاعصاب مشدودة والتوتر باد على وجوه الشباب. لم اكن انوي مشاهدة المباراة لكن الجو العام فرض علي ذلك، وخصوصاً ان بعض من اصدقائي كانوا ايضاً من متابعين الدوري الإسباني. تسائلت في داخلي كيف استطيع تشجيع فريق لا يشاركني في شيء؟ على سبيل المثال انا اتابع مباريات المنتخبات الاردنية بشغف كبير، لان فوز اي منها يعني رفع اسم بلدي في المحافل الدولية، وكذلك الحال في مباريات الفرق العربية. اما ان اعشق فريق لا يشاركني في اي شيء الى هذا الحد، فهو غريب وغير مفهوم بالنسبة لي. سيطر التعادل السلبي على اجواء المباراة المشحونة الى حوالي الدقيقة الثلاثين حين استطاع الارجنتيني ميسي خطف هدف السبق، التهبت الحناجر بالهتاف والصراخ، كيف لا وقد هز ميسي شباك كاسياس! ازداد التساؤل في داخلي عن سبب فرح هؤلاء الشباب، لماذا يجب علي ان افرح لتسجيل لاعب ارجنتيني، يلعب لنادٍ اسباني هدفاً في مرمى نادٍ اسباني اخر؟؟!
بعد بضع دقائق من بداية الشوط الثاني، سجل برشلونة هدفه الثاني في مرمى الريال الذي كان يصارع لتسجيل هدف التعادل، هيستيريا دبت في أرجاء المقهى. انصار النادي الكتالوني يصرخون ويقفزون فرحا وانصار النادي الملكي في حالة من الاحباط والانهيار يرثى لها، بعضهم همّ بالخروج من المقهى تفادياً لما سيتعرضون له من مضايقة من الكتالونيين، والبعض الاخر ما زال تحت تأثير الصدمة يقفون ويديهم على رؤوسهم. احد الشباب الذي ظننت انه ولوهلة ابن عم رونالدو من شدة انفعاله اثناء المباراة، ادار كرسيه عن الشاشة وأشعل سيجارة، أخذ نقساً عميقا واسند جبهته بأصابع يده اليمنى، واخذ ينفث الدخان الى الاسفل محدقا بيأس على الارض.
ما ان اعلنت صافرة الحكم عن نهاية المباراة، حتى هب من تبقى من شباب الى الشوارع في فرح عارم، وما هي الى دقائق حتى بدأنا نسمع زمامير السيارات واصوات التشحيط. وبعد ان هدأت الاصوات نظرت الى المقهى من حولي وأذ به فارغ تماما الا من بعض الطاولات التي لا يتجاوز عددها اصابع اليد الواحدة. فجأة راودني شعور غريب عجزت عن تفسيره، تناولت رشفة مما تبقى من كوب الشاي لاشغل نفسي فوجدته بارداً ومراً ليزيد من تخبطي. دفعت حسابي، وخرجت من المقهى برفقة اصدقائي وافترقنا كل الي بيته.

ممكن دستة تفسيرات بس و لا واحد حيفيد
ReplyDeleteأقصد كحل و لو جزئي
قد يكون غياب القدوة و الرمز (كفكرة + كشخوص) أو ببساطة الرغبة في الانخراط في شيء جمعيّ
أو ترابط السببين مع عوامل أخرى كالفراغ (الجواب السهل غالبًا هو الفراغ!) :)
شيء محبط ، أتفق معك.
أنا ككل (أو معظم؟)الشباب كان عندي هوس بكرة القدم و أسماء اللاعبين و .. و..
لا أتذكر أنه كان هناك هوس كالذي نراه اليوم، قد يكون لقلة المصادر + عدم وجود إغراق في المعلومة (بكل صورها) دور في تفسير الفارق، لا أدري!
حاليًا لا اتابع شيئًا، مقولة مفضلة عندي هي أنني ممارس و لست مشاهدًا للرياضة!
لا نملك تلفازًا في البيت منذ كذا سنة و لا أخرج لتمضية أمسية مباراتية! :)
ليس مدحًا في النفس و لكن ما أريد قوله أن الاعتقاد بأن فئة عمرية محددة هي التي عندها هوس بالمستديرة غير دقيق! الذين من جيلي (أنا بمنتصف الثلاثينات) جلهم ما يزالون يتابعون و يتخانقون (لأسابيع!) و يسِمُون أنفسهم بانتماءات حقيقية (آه و الله!) لفريق أو مدرب أو لاعب أو منتخب (ما)!
و ليس فقط الاقتصار على الذكور من الشباب بل الإناث -كما أرى- بدؤوا بالهوس كذلك! بكرة القدم أقصد تحديدًا!
مبدئي في هذه الأيام = اللهم نفسي! أقصد كحل لمثل هذه الملاحظات :)
عذرًا للإطالة
شكرا اخ هيثم على تعليقك، توقفت عن الكتابة منذ فترة ليست بالقصيرة ودخلت اليوم للمدونة لاسترجاع بعض الذكريات.
ReplyDeleteكلامك وتحليلك منطقي...
العفو، من دواعي السرور أن أجد مدونتك
ReplyDelete-----------------------------------------
هل إلى عودة للتدوين من سبيل؟ :)